ابن كثير

109

البداية والنهاية

وأن الذي ألصقتموا من كتابكم * لكم كائن نحسا كراغية السقب ( 1 ) أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الثرى * ويصبح من لم يجن ذنبا كذي الذنب ولا تتبعوا أمر الوشاة وتقطعوا * أواصرنا بعد المودة والقرب وتستجلبوا حربا عوانا وربما * أمر على من ذاقه حلب الحرب فلسنا ورب البيت نسلم أحمدا * لعزاء من عض الزمان ولا كرب ولما تبن منا ومنكم سوالف * وأيد أترت بالقساسية الشهب ( 2 ) بمعترك ضيق ترى كسر القنا * به والنسور الطخم يعكفن كالشرب ( 3 ) كأن مجال ( 4 ) الخيل في حجراته * ومعمعة الابطال معركة الحرب أليس أبونا هاشم شد أزره * وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب ولسنا نمل الحرب حتى تملنا * ولا نشتكي ما قد ينوب من النكب ولكننا أهل الحفائظ والنهى * إذا طار أرواح الكماة عن الرعب قال ابن إسحاق : فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا ولم يصل إليهم شئ إلا سرا مستخفيا به من أراد صلتهم من قريش ، وقد كان أبو جهل بن هشام - فيما يذكرون - لقي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد ، معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة بنت خويلد ، وهي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب فتعلق به وقال : أتذهب بالطعام إلى بني هاشم ؟ والله لا تذهب أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة ، فجاءه أبو البختري بن هاشم ( 5 ) بن الحارث بن أسد . فقال : مالك وله . فقال : يحمل الطعام إلى بني هاشم ، فقال له أبو البختري : طعام كان لعمته عنده بعثت به إليه أتمنعه أن يأتيها بطعامها ؟ خل سبيل الرجل ، قال : فأبى أبو جهل - لعنه الله - حتى نال أحدهما من صاحبه ، فأخذ أبو البختري لحى بعير فضربه فشجه ووطئه وطئا شديدا ، وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك ، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فيشمتون بهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك يدعو قومه ليلا ونهارا وسرا وجهارا مناديا بأمر الله تعالى لا يتقي فيه أحدا من الناس .

--> ( 1 ) راغية السقب : من هو الرغاء ، وهو أصوات الإبل . والسقب : ولد الناقة ، وأراد به هنا ولده ناقة صالح عليه السلام . ( 2 ) أترت : قطعت . القساسية سيوف تنسب إلى قساس وهو جبل لبني أسد فيه معدن الحديد . ( 3 ) النسور الطخم : ذات الرؤوس السود . ( 4 ) من ابن هشام ، وفي الأصل ونسخ البداية المطبوعة وبعض نسخ ابن هشام : ضحال ولا معنى لها . ( 5 ) من ابن هشام وابن سعد ، وفي الأصل : هشام وهو تحريف .